تقرير .. " التخييم " في الإمارات .. انتماء للصحراء وحنين لسحر البادية

.. من / شيخة الغاوي.
أبوظبي في 18 مارس / وام / لا يزال الإماراتيون مرتبطين بالصحراء رغم الطفرة الاقتصادية والعمرانية التي طالت كل مناحي حياتهم.. فيأخذهم الحنين إلى مرابع الطفولة والصبا ومنازل الآباء والأجداد حيث متعة الاسترخاء والذكريات.
وفي أجواء " التخييم " .. تنبعث رائحة الأرض الطيبة حاملة الراحة للقلوب والدفء للأرواح المتعطشة إلى سحر البادية بسكونها وهدوئها.
وبين شهري أكتوبر ومايو .. يزيد الإقبال على الأماكن الصحراوية لتنطلق الرحلات البرية إلى قلب الصحراء وينصب الزوار والسياح الخيام ويطيب المقام في مشهد يختزل الانتماء للمكان ويبرز التمسك بالتقاليد والعادات البدوية الأصيلة المستمدة من جذور الماضي وموروث الآباء والأجداد.
تطل ناطحات السحاب الشاهقة من بعيد في الأفق الممتد الذي يقطع صمته هدير محركات سيارات الدفع الرباعي منطلقة إلى قمة التلال الرملية والتي تسمى في اللهجة المحلية " العراقيب " .
يكتمل المشهد بكل تفاصيله في هدأة الليل حيث يتسامر الساهرون ويجلسون قرب مواقد النار التي أشعلوها لإضاءة المكان حتى ساعات الفجر الأولى وتفوح رائحة القهوة العربية في ظل أجواء أسرية تملؤها الألفة والمحبة.
ويتزايد تدفق الزوار على منطقة البطائح القديمة التي أحياها طريق " الشارقة - الذيد " بعد أن كانت ممرا يصل إلى الذيد ودبي ومناطق مجاورة في عمق الصحراء قبل إنشاء الطرق الحديثة فيما لا تزال بعض العزب الخاصة إضافة لمسجد.
ويذكر بعض زوار المكان أنهم جاءوا من مدينة أبوظبي ومنطقة العين منذ عدة أيام للاستمتاع بهذا الجو المعتدل الجميل.
ويقول سالم عبدالله " تعودت التخييم في دبي .. وأستعد له مع أسرتي خلال إجازة المدراس.. وحضرت إلى هنا كي أستكشف مكانا جديدا كنوع من التغيير ".
ويمتدح خطوات بلدية دبي في استخدام التكنولوجيا الخاصة والمتطورة لحجز المخيمات وفق الخرائط .. مضيفا " أن الإنترنت غزا الصحراء في الإمارات وجعل المكان معلوما للجميع .. فيما أصبح التخييم اليوم أسهل ولسنا في حاجة للإرهاق لنجد المكان الأفضل له.. وكل ما علينا تحميل مجموعة من التطبيقات التي تساعد على إيجاد أماكن له حولنا والتي يكون أغلبها مزود بخاصية الـ " GPS" حتى تساعد للوصول بطريقة سهلة ".
وينوه إلى حرصه على التخييم سنويا حيث تكون الأرض أكثر اخضرارا ..
فيما يذهب بعض أصدقائه للتخييم في بر المملكة العربية السعودية الشقيقة خلال بعض المواسم لوفرة الأمطار خاصة في المناطق الشمالية.. مؤكدا أنه ينتظر موسم التخييم ويجهز له قبل فترة طويلة.
وقريبا من البطائح .. تقع مناطق الرفيعة وتاهل ثم طوي السامان بالاتجاه نحو الذيد.. وعليها يقبل المواطنون والمقيمون من جميع أنحاء الدولة لينصبوا الخيام ويقيموا أياما بينما يظل البعض شهورا خاصة في موسم الإجازات المدرسية والعطلات.
ويتحدث المواطن علي بن رشيد من سكان المنطقة بالقول " تعلمنا منذ القدم في هذه المناطق البرية حب التعاون أو ما يسمى بالفزعة وحتى في وقتنا الحاضر عندما نرى أحد الزوار وقد تقطعت به السبل نهب لنجدته في وسط الرمال ".
ويشير إلى أحد الأماكن البعيدة.. ويوضح أنه يسمى " طوي السامان " نسبة إلى طوي وهو بئر قديم .. غير أن الماء شح في هذه المناطق نظرا لقلة الأمطار.. إلا أن الأهالي - ورغم الجفاف - ما يزالون يأتون ويترددون على المكان وينصبون الخيام ويحلو لهم المقام لعدة أيام خاصة في موسم الشتاء.
ويضيف " أن الخروج للبر يعتبر عادة سنوية يمارسها المواطنون الإماراتيون في فصل الشتاء وهو موسم سنوي يعد ضربا من ضروب العادات والتقاليد.. حيث يلجأ أبناء الإمارات إلى نصب الخيام واستذكار حياة الأجداد الذين عاش الكثير منهم بالطريقة نفسها مع الفرق في متطلبات التخييم الحالية والتي أصبحت مجرد ترف معيشي بعدما كانت مسكنا ضروريا لكثير من المواطنين في الماضي ".
ويقول ابن رشيد " التخييم الآن لم يعد بأدوات بدائية كما كان في السابق بل تحولت الخيام إلى أشباه منازل مكتملة في وسط الصحراء حيث تزود بأجهزة التلفاز ويتصل بعضها بالأقمار الاصطناعية وتتوافر بها مختلف وسائل الترفيه حتى أن بعضها مزود بكماليات أكثر من الفلل إضافة إلى أفران الطهي وغيرها من الأجهزة المنزلية الإلكترونية ".
ويوضح أن وادي العيصية ووادي تاهل والمسند وبالوحوش وطوي حسين نسبة لحسين بن لوتاه من أشهر أماكن التخييم في إمارة الشارقة وهذه جميعها آبار ماء وتشكل جميعها الآن منطقة البطايح .. مشيرا إلى المناطق الأخرى التي تشتهر بالتخييم في الإمارة ومنها البيادر والقطاة والزبير.
**********----------********** من جانبه .. يقول المواطن سلطان الخاطري من إمارة رأس الخيمة " إن التخييم ظاهرة حديثة مارسها جيل الحاضر بطريقتهم الخاصة .. فعلى الرغم من أنها كانت موجودة لدينا في الماضي كسلوك فطري حيث كان التخييم يقتصر على طلعات القنص إذ تخيم الناس للمقناص كل في منطقته فيما كان الشيوخ أكثر من يقوم بطلعات البر من أجل ممارسة القنص ويختارون منطقة معينة وينصبون خيامهم بها طوال فترة القنص كمعسكر لهم يقيمون فيه ويستقبلون ضيوفهم من المواطنين والأجانب على حد سواء ".
ويشير إلى أن ظاهرة التخييم لم تظهر إلا حديثا مع بداية الاتحاد حيث اشتهرت مناطق الحمرانية والساعدي والمزرع وعوافي وأم الخايوص كأماكن للتخييم.
ويضيف الخاطري " أدى الإقبال الشديد على التخييم في وقتنا الحاضر إلى ظهور منتجعات صحراوية متخصصة تتوافر بها كل سبل الراحة والرفاهية وسط الصحراء ".
أما المواطن علي بن محمد المزروعي من ليوا فيقول " لا يعرف التخييم في الماضي إلا البدو .. إذ يشدون الرحال سعيا وراء العشب وإذا وجدوه في منطقة ما خيموا بالقرب من آبار الماء يروون ويسقون ماشيتهم ".
أما الآن - يضيف الخاطري - " يقبل جيل الشباب على التخييم خاصة أيام الإجازات في منطقة الطوي غرب بدع زايد ناحية الشمال ويذهب كثير منهم للتخييم في المناطق الشمالية خاصة في منطقة عوافي برأس الخيمة ".
وتقول السائحة اميليا جيمس من بريطانيا "هنا في منطقة عوافي .. يشدني النظر والتأمل في الأفق البعيد بين كثبان صحراء الإمارات اللامتناهية ورمالها الذهبية الناعمة حيث تتناثر تشكيلات رملية ومنحوتات صخرية بفضل عوامل التعرية لتشق سكون المكان وتزيده روعة وجاذبية وتفتح مصراعي أبوابها لاحتضانك بين زواياها في تجربة استثنائية تحلق بك بعيدا في رحلة آسرة تنسيك صخب المدينة وأضواءها لتعيش الأجواء البدوية بكل تفاصيلها ".
وتضيف " قد ينظر العابر في صحراء دولة الإمارات إلى أنها أرض خالية من الحياة وقد يستحيل العيش فيها لكنها ليست كذلك .. فهي أرض نابضة بالحياة ولا يتوقف الاهتمام بالبيئة الصحراوية على النواحي السياحية لكنه يتعدى ذلك بالعمل على الاستثمار في مقوماتها كافة من أجل صحة الإنسان ورفاهيته سواء للأجيال الحالية أو الأجيال المستقبلية لأنها مخزون رأس المال الطبيعي للإمارات ".
وتنوه إلى " أن الامارات وبفضل حكمة قائدها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة "حفظه الله " .. بلغت شأنا عظيما وتبوأت مركزا رفيعا بين دول العالم بفضل ما تميزت به من حنكة سياسية ونهضة اقتصادية وتقدم علمي وعمراني شمل كافة المجالات ".
وتشير إلى معرفتها بأن الصحراء في الإمارات - منذ نصف عقد من الزمان - كانت مناطق غامضة خالية من الزوار .. لكنها الآن تبوح بأسرارها وتكتظ بزوارها من شتى المدن العصرية المجاورة للاستمتاع بمناظر طبيعية خلابة تسحر العيون وتأسر الألباب ".. مضيفة " يكفي وجود عدد كبير من الحصون الأثرية القديمة التي ما زالت شامخة وسط الرمال الجرداء مما جعلها تتميز بالخصوصية سواء فيما يتعلق بخلفيتها التاريخية أو لأنها تجاور ناطحات السحاب القريبة منها مما يوفر للزائرين مزيجا رائعا من الثقافة العربية والمناظر الطبيعية البكر ".
وتؤكد أنه - ورغم انتشار المدنية الحديثة في أرجاء الإمارات حيث المدارس والطرق والمستشفيات وأماكن التريض مثل الحدائق والمنتزهات العامة والفنادق الفاخرة ومراكز التسوق الحديثة والمنتجعات السياحية - إلا أن سحر الشرق موجود تحت رمال صحراء الإمارات.
**********----------********** من ناحيته.. يقول مطر المنصوري / مستثمر في قطاع السياحة الصحراوية / " أضحت السياحة الصحراوية أحد أهم مرتكزات النهوض بقطاع السياحة على مستوى الدولة وننظر إلى البيئة الصحراوية على أنها مصدر إلهام أجدادنا وآبائنا الذين تعلموا منها وتعايشوا معها من خلال إدارة مواردها القليلة بصورة مستدامة ".
ويضيف " تعاملت الإمارات مع البيئة الصحراوية بحكمة وذكاء ومن خلال نموذج فريد يجمع ما بين المحافظة على نقاء هذه البيئة وتنميتها وتحويلها إلى بيئة سياحية جاذبة ".
ويشير إلى أن الصحراء التي تشكل نحو ثلاثة أرباع مساحة الدولة.. وفرت بيئة تنموية استثمرتها الدولة من خلال إقامة المشاريع السياحية والبيئية في قلب الصحراء وإقامة العشرات من الأنشطة الرياضية والتراثية فيها بصورة دورية.. منوها إلى أن " دولة الإمارات أولت الاهتمام الكبير بالبيئة الصحراوية في تأسيس وتطوير السياحة البيئية المستدامة حيث تمثل هذه البيئة بنقائها وصفائها منطقة جذب سياحي مهمة من خلال المشاريع السياحية التي أقيمت في قلب الصحراء وحظيت باهتمام بالغ من قبل القيادة الرشيدة ومن أفراد المجتمع ".
ويذكر أن " الدولة تبنت برامج تنمية الحياة الصحراوية في مقدمتها برنامج إكثار المها العربية المهددة بالانقراض لحمايتها وإكثارها "..
مشيرا إلى أن الإمارات تعد أحد أهم مواطن المها العربية بـ3000 رأس حيث يمثل هذا العدد نحو نصف أعداد المها العربية الموجودة في العالم من خلال استراتيجية لصونها ".
ويعرج على الجهود المماثلة التي تبذلها الدولة في حماية وإكثار الصقور والحبارى والنمور والذئاب العربية والغزلان والظباء من خلال سن التشريعات وإقامة المناطق المحمية.
ويعتبر " صحراء الإمارات كنوزا طبيعية وتراثية متميزة تحكي قصة الإنسان الإماراتي وتكيفه مع الطبيعة الصحراوية القاسية التي ألفها بخبرته الطويلة واستطاع عبر الزمن التكيف والعيش بين أحضانها ".
ويوضح " أن كثيرا من الأماكن الصحراوية تعد مصدر جذب سياحي فريد ومقصدا مهما للأفواج السياحية ورواد المغامرة ومحبي الاستكشاف الذين تستهويهم البيئة الصحراوية وما تحتويه من مقومات سياحية فريدة .. إذ تعد هذه الرمال مقصدا سنويا للكثيرين ممن يعشقون حياة الصحراء بسكونها وهوائها العليل وتنوع مفردات الطبيعة والتراث وكرم أهلها ".
ويصف البادية في الإمارات بأنها كنز تراثي وسياحي يجذب محبي الهدوء والطبيعة .. الامر الذي جعلها تستقطب مؤخرا مزيدا من الاستثمارات في مجال السياحة الصحراوية والبيئية مثل فندق " بنيان تري الوادي " برأس الخيمة ومنتجع باب الشمس والمها في دبي وقصر السراب في منطقة الظفرة ومشروع مليحة للسياحة البيئية والأثرية في إمارة الشارقة.
شي-