مؤتمر واشنطن لتحالف الأديان يواصل فعالياته بمشاركة رجال دين وعلماء وأكاديميين من العالم

واشنطن في 7 فبراير/ وام / تتواصل بالعاصمة الأمريكية فعاليات اليوم الثاني لمؤتمر واشنطن لتحالف الأديان بمشاركة رجال دين أمريكيين وعدد كبير من العلماء والأكاديميين والباحثين بالولايات المتحدة والعالم الإسلامي.
وانطلقت فعاليات اليوم الثاني بجلسة تأطيرية حول "الحاجة إلى حلف فضول جديد" شارك فيها كل من معالي الدكتور محمد عبد الكريم العيسى العام لرابطة العالم الإسلامي ومعالي الشيخ عبدالله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة ووزير الخارجية الفنلندي تيمو سويني والسيد سام براونباك مبعوث الرئيس الأمريكي للحريات الدينية في العالم.
وجاء في الكلمة الافتتاحية لمعالي أمين عام الرابطة الدكتور محمد عبد الكريم العيسى أن التنوع الديني والثقافي عليه أن يكون القيمة المضافة لتحقيق الأمن المجتمعي والعيش بالكرامة في مواجهة "النازيون الجدد" بسبب اختزالهم للنصوص واجتزاؤهم لها مع إخراجها عن مساقها وبعدها المقاصدي.
ونبه في كلمته إلى أهمية الوسائل الصحيحة في التعامل مع التنوع وضرورة البعد عن الجنوح إلى العنف مذكرا أن "تنوعنا الديني والثقافي والحضاري يجب ألا يتجاوز القناعة إلى حالة الفرض والإكراه والإقصاء والصدام فكل شيء يمكن فرضه بقوة ما عدا الأفكار والمعتقدات".
وأكد معالي الأمين العام أن الأهمية تكمن في البعد القيمي المشترك الذي يزكيه الإسلام مهما كان مصدره مستشهدا بأن حلف الفضول الذي يسعى مؤتمر واشنطن إلى إحيائه لم يكن حلفا إسلاميا لأنه عقد في الجاهلية ولكنه حمل قيم الإسلام الرفيعة وشملت مواده متطلبات السلام المجتمعي والدولي من خلال ترسيخ مبادئ الحقوق والحريات فمن هنا استأهل أن يزكيه النبي صلى الله عليه وسلم.
ونوه معالي الدكتور محمد العيسى بأهمية مؤتمر واشنطن لمقصده السامي الجليل لتجميعه أتباع الأديان والحضارات وأهميته في السياق المعاصر حيث يدعو إلى القيم التي يشترك فيها الجميع والتي هي السبيل إلى السلام في العالم. مذكرا بمسؤولية العلماء والقادة الدينيين في النهوض بمطلب السلام لأنها تساهم بكثير من التموضع الشرعي والتموضع الديني والفكري المؤثر بوجه عام. وأشار إلى إحصاءيات الرابطة التي تشير إلى أن 80% من مجموع البشرية من الدينيين وغيرهم مقتنعون بتأثير الأديان في الرأي العام.
وذكر معاليه أن الدين الإسلامي يلزم الجميع بالتعايش من أجل أن تظل الأديان والحضارات والسياقات السياسية على قدر عال من الوعي بالقيم الإنسانية وأن المشتركات كثيرة جدا ولكن النقص هو في الالتقاء حولها.
من جانبه القى معالي الشيخ عبد الله بن بيه كلمة قال فيها أن عمل المنتدى يقوم على شقين: شق يقوم بالبحث في ظاهرة العنف وجذورها وآخر يتعلق بالمبادرات والتعاون من الأصدقاء الباحثين عن السلام.. مذكرا بمبادئ الرؤية التي ينطلق منها المنتدى والتي ترتكز على الوعي بالطبيعة المركبة لإشكال العنف وتداخل أسبابه والعوامل المؤثرة في صناعته مبينا أن المقاربة التي يتبناها المنتدى تنطلق من واجب رجال الدين وضرورة "أن يبحثوا في نصوصهم الدينية وتاريخهم وتراثهم ليجدوا أسسا متينة للتسامح والتعايش ونماذج مضيئة يسهم إحياؤها في إرساء قيم الخير والسلام في نفوس معتقدي هذه الديانات" ويرى رئيس المنتدى أن النصوص الدينية ترد على دعوى تحميل الأديان مسؤولية الحروب معتبرا أن الإنسان الذي يفسر الدين تفسيرا خاطئا أو يستنجد به أو يسخره لأغراضه هو المسؤول.
وبحديثه عن الصعوبات التي واجهها منتدى تعزيز السلم بهذا الشأن لفت إلى "إشكالية تقديم العدالة على السلم والسلم على العدالة" حيث ميز بين مستويين في تحقيق السلم فعلى المستوى الأول هو مستوى "السلم الدائم" يتفق العلامة بن بيه مع الفيلسوف كانت الذي يقول بتقديم العدالة ويعتبرها شرطا في تحقيق السلم الدائم.. وأما المستوى الثاني وهو السلم المؤقت المستعجل الذي تدعو إليه الضرورة الراهنة والمتمثل في توقف الحرب وإيقاف القتلفهذا مستوى لا يرى رئيس المنتدى أنه يشترك فيه العدالة التامة بل يجب أن يتم بأسرع طريقة ممكنة لأنه يمثل مقدمة ضرورية للعدالة.
واختتم معاليه كلمته بذكر مقاصد وأهداف مؤتمر واشنطن موضحا في هذا الصدد أن من ضمن أهداف المؤتمر تأكيد ما تم قبل من خلق الإرادة الصادقة للتعايش السعيد وبناء جسور الصداقة والمحبة بين رجال العائلة الإبراهيمية كما يتوخى المؤتمر تحويل النتائج الإيجابية إلى عمل دائم نموذجي يحتذى به لدى كل أتباع الديانات والفلسفات.
وقال " السلام والمحبة والصداقة هي رسالة رسالتنا إلى البشرية وهي شعارنا".. وذلك من خلال توسيع آفاق مبدأ التعارف ليتحول إلى إلى عمل إنساني ميداني لمساعدة المرضى والمحتاجين انطلاقا من صميم موروثنا الديني معلنا عن عزم المؤتمر إطلاق مبادرة " إطعام الطعام" للمحتاجين من كل الأعراق والأديان.
وأضاف معالي الشيخ ابن بيه أنه " في أبوظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة حيث تنطلق دروب صناع السلام وحيث ترحب وتدعم قيادة ذلك البلد الكريم بكل الأفكار البناءة والمبادرات الريادية في تعزيز ثقافة التعايش والتسامح استقبلنا "قافلة السلام الأمريكية" التي يقودها رجال آمنوا بضرورة التعاون الإيجابي بين أتباع الديانات الكبرى من أجل التخفيف من النبرة العدمية وإبعاد شبح الكراهية والعنصرية.. وقد احتضنا هذه القافلة وواكبناها في جميع مراحلها وعياً منا بالحاجة إلى تبني مقاربة السلم واضطلاع عقلاء العالم من القيادات الدينية بدورهم في صناعة جبهة فكرية موحدة وصياغة تحالف إنساني يقوم على تفعيل دوائر المشتركات التي أدى تجاهلها وإذكاء الخصوصيات عوضها إلى ما هو مشاهد من الحروب والاقتتال..
مشيرا إلى أن المحطة الثانية كانت في الرباط حيث التحق بالقافلة مجموعة جديدة من الحاخامات والقساوسة والأئمة وكان لرسالة جلالة الملك محمد السادس الأثر البالغ في تشجيع هذه المبادرة.
وأكد الشيخ ابن بيه أن "مؤتمر واشنطن" هو تتويج لهذه اللقاءات والمشاورالت.
من جانبه عبر مبعوث الرئيس الأمريكي للحريات الدينية السيد سام براون باك عن سروره بأن يفتتح مشواره في هذا المنصب بالمشاركة في هذا المحفل الذي يدخل في صميم مقاصد قطاعه مؤكدا أن قضية الحرية الدينية والتصدي للاضطهاد الديني أصبحت من أهم إشكالات العلاقات الدولية ومن أولويات السياسة الأمريكية الخارجية ومقتضيات أمنها القومي معتبر أن أهمية هذا الموضوع تنبث من " العلاقة الاقترانية بينه وبين أكثر الحاجات إلحاحا في العالم : الحاجة إلى السلم".
وأعلن السيد براون باك دعمه وانخراطه مع قادة الحلف في مسار تعزيز السلم وتحديد تحديات التي تعيق العيش السعيد في وئام بين الناس ومواءمه مع معتقداتهم وأكد أن حكومة الولايات المتحدة ستقدم كلما بوسعها لتشجيع وضمان الحماية لكل المبادرات الإيجابية الساعية في هذه الاتجاه الذي لا غبار على مقاصده الحسنة في خدمة الإنسانية.
وأضاف المبعوث الأمريكي أن العالم في مسيس الحاجة إلى المصالحة وإلى تحالف بين أديان العائلة الإبراهيمية ونوه في هذا السياق بإعلان مراكش معتبرا إياه "نموذجا عظيما للدور الخارق الذي يمكن أن تلعبه قيادات المجتمع المدني في تقديم القدوة الحسنة لحماية حقوق الإنسان وخاصة تلك التي تضمن المواطنة للأقليات الدينية"معتبرا أن رجال الدين" لا يقدمون فقط القدوة الحسنة في حماية حقوق الإنسان بل يضعون الأسس الدينية التي تتيح وجود هذه الحقوق".
أما وزير الخارجية الفنلندي تيمو سويني فاعتبر من جهته أنه "إذا كان الدين جزءا من المشكلة فهو جزء من الحل أيضا".
وتابع أن مؤتمر واشنطن للتحالف بين الأديان يشكل مصدر إلهام استنادا لإعلان مراكش /2016/ ونموذجا للمجتمع المدني لتفعيل ما ينادي به هذا المؤتمر و ذلك من خلال التعاون بين رجال الدين وممثلي الحكومات.
من جانبه قال سعادة الدكتور محمد مطر الكعبي أمين عام "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" إن الأديان فاعل أساسي في تعزيز السلم وأن تعاونها يمثل سدا منيعا ضد ثقافة الكراهية وخطاب العنف والتطرف وهو ما يتوجب أن تتضافر جهود عقلاء الأديان لتشييد لبنات هذا الصرح حفظا للإنسان والأديان والأوطان على حد سواء.. وحتى يكون هذا التعاون واقعا حقيقيا يفترض البحث عن المشترك في أفق إقامة تحالف للقيم وحلف فضول عالمي يكون مرجعا للعالم كله ونموذجا دينيا وحضاريا وإنسانيا يثبت أن الإرادة القوية والنية الصادقة والإيمان بالسلام والجهد الفاعل أركان هذا العمل الذي يأوي إليه الجميع والمظلة التي يستظل بها وهو ما خلصنا إليه في الملتقى الرابع الذي نظمه منتدى تعزيز السلم بأبوظبي في ديسمبر 2017 تحت عنوان "السلام العالمي والخوف من الإسلام: قطع الطريق أمام التطرف" والذي أكد أن أمام أديان العائلة الابراهيمية تحديات كبيرة تجب مواجهتها لاقتراح حلول إبداعية تستثمر فيها مشتركات العدل والتنمية الاقتصادية والسلم الاجتماعي في أبعد الحدود وهي متطلبات يجب أن تتبوأ أعلى سلم أولويات العالم مع وضوح في الرؤية يبعد شبح الحروب العبثية ولن يتحقق ذلك إلا من خلال مقاربات جديدة في علاقة أتباع هذه العائلة في ما بينهم قوامها القبول بالاختلاف بدل النقد والاتهام المتبادل وتحالف الجميع لخدمة الإنسان ونحن ندعو إلى هذه المبادرة إيمانا منا بأن الديانات الابراهيمية حينما تتصالح وتتصافح تستطيع تعزيز روح السلام في العالم وتسهيل سلوك طريق العدالة والخير ومعالجة المظالم والمظلوميات انطلاقا من القيم المستوحاة من الأديان متمثلة في التسامح وقبول الاختلاف والتعددية والتواصل والتعاون.
وأضاف الدكتور الكعبي أن الأنبياء والرسل جاؤوا برسالة السلام وحق على أتباعهم أن يكونوا دعاة سلام ورحمة أن يكونوا أنصارا للمظلومين وأن يكونوا حماة للإنسان والأديان وأن يستلهموا من سيرهم ومبادراتهم ولذلك نجتمع اليوم لنقدم للعالم النموذج الحضاري للتعايش والتعاون على الوجود والبقاء رفعا للظلم ومواجهة للكراهية والتطرف معتمدين على ما في كتب أديان العائلة الإبراهيمية من نصوص داعمة ومقوية ومعينة على بلوغ المقصود.. إننا نطمح أن نصل حلف عالمي للأديان لما نملك من إمكانيات التعاون والتعايش ما يمكن أن نقدم من خلاله حلولا واعية بالواقع العالمي وتركيباته المعقدة ومتغيراته وإكراهاته نستثمرها لإحداث الأثر الصالح في النفوس والعقليات في هذا العالم الذي تتلاطم فيه أمواج التكتلات االمتصارعة وذلك بأن يكون تكتلا يجمع ولا يفرق يقارب ولا يباعد يوحد ولا يشتت يبشر ولا ينفر.
وأكد أمين عام منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة أن دولة الإمارات العربية المتحدة قيادة ومجتمعا تعمل على أن يكون التسامح سائدا بين المجموعات الدينية والعرقية واللغوية التي تعيش على أرضها وما فتئت تشريعاتها ومؤسساتها الرسمية وغير الرسمية ومبادراتها الإقليمية والدولية والعالمية تؤكد توجهها في هذا الاتجاه استثمارا لهذا التنوع في المنطق الديني والإنساني الذي نعتقد أنه عامل محفز على التعارف والتعايش. وشدد الدكتور الكعبي على أن منتدى تعزيز السلم ماض في ترسيخ هذه الاختيارات من خلال مقارباته وأطروحاته الفكرية والعلمية والدينية المتميزة التي مكنته من أن يكون حاضرا برؤيته ومنهجه السليم وفكره الرصين ومبادراته القوية في أهم المحافل الدولية...معربا عن أمله في أن نرى حلف فضول جديد للوئام والسلام السعيد بين الأديان يستلهم جوهر الدين الصحيح في الديانات لتحقيق التعايش وعمارة الأرض بقيم الخير والجمال ونبذ الغلو والتطرف ومسح تداعيات "الإسلامفوبيا" وكل أشكال التنابذ الديني.. ذلك الحلف سيكون بحق يوما مشرقا وسعيدا في تاريخ الإنسانية.
- مل -.