"قصر الحصن" قلب ينبض بتاريخ وتراث أبوظبي

من / خاتون النويس ..

أبوظبي في 5 نوفمبر / وام / يعكس "قصر الحصن" الذي يضم أعرق وأقدم بناء أثري قائم في مدينة أبوظبي تاريخ الإمارة والحوارات والنقاشات الحاسمة التي دارت بين جدرانه، كما يرسم صورة معبرة ترصد المحطات التاريخية والتقاليد الإماراتية ويصف حياة الأسرة الحاكمة رجالاً ونساءً ممن عاشوا بين أركانه.

وتمثّل منطقة الحصن الثقافية، من موقعها في وسط مدينة أبوظبي، المربع الأول للمخطط المديني في إمارة أبوظبي، وهي بمثابة نصب حضري يعكس تطور المدينة من منطقة استقرار للقبائل إلى واحدة من أروع المدن العالمية الحديثة.

وتتألف منطقة الحصن الثقافية من أربعة مكوّنات مترابطة، هي: "قصر الحصن" و"المجمع الثقافي" ومبنى "المجلس الاستشاري الوطني" و"بيت الحرفيين".

ويعد "قصر الحصن" أبرز معلم تاريخي في مدينة أبوظبي، ويضم بنائين هامين، وهما: "الحصن الداخلي"، ويعود تاريخ بنائه إلى العام 1795، حيث شيّد في البدء حول أقدم بناء قائم ليومنا هذا في مدينة أبوظبي - وهو برج مراقبة بني في ستينيات القرن الثامن عشر باستخدام الأحجار البحرية والمرجانية لتوفير الحماية للسكان على الجزيرة؛ أما المبنى الثاني فهو "القصر الخارجي" الذي تم بناؤه خلال الفترة 1939 - 1945.

وكان "قصر الحصن" على مدار السنون مقراً للحكم ومنزلاً للأسرة الحاكمة وملتقى للحكومة ومجلساً استشارياً وأرشيفاً وطنياً، فبات يمثل القلب النابض في أبوظبي والشاهد الحي على محطات تاريخها العريق ..

واليوم، تحول القصر إلى متحف وطني بعد أكثر من 11 عاماً من أعمال الحفظ والترميم، حيث يبرز كرمز وطني يعكس تطور أبوظبي من تجمّع سكاني اعتمد على صيد السمك واللؤلؤ في القرن الثامن عشر إلى واحدة من أروع المدن العالمية الحديثة، مقدماً مجموعة من القطع الأثرية والمواد الأرشيفية التي يعود تاريخها إلى عام 6000 قبل الميلاد.

ويعد "الحصن الداخلي" و"القصر الخارجي" نقطتين مرجعيتين في تاريخ أبوظبي، ويسردان قصّة هذه المدينة وشعبها بين تاريخها العريق وتراثها المعاصر .. وتقدم المعارض الدائمة التي يحتضنها هذان المعلمان التاريخيان تجربة غنية للزوار لما فيها من عمق تاريخي وعاطفي ودلاليّ، الأمر الذي من شأنه تعزيز الوعي حول أهمية وقيمة "قصر الحصن" كصرح تاريخي راسخ يعكس باستمرار عراقة أبوظبي.

وتروي هذه المعارض حياة الأجيال التي عاشت في القصر الخارجي من الرجال والنساء والأطفال، كما تسبر أغوار مسيرة ترميم وحفظ هذا المعلم التاريخي .. وتحتضن هذه المعارض بين أركانها مقتنيات متنوعة بدايةً من القطع الأثرية مروراً بالمواد الأرشيفية وصولاً إلى الوسائط الصوتية والمرئية والتجارب التفاعلية.

ويشمل البرنامج العام في "قصر الحصن" جولات متخصصة في التاريخ والآثار والهندسة المعمارية، إلى جانب سلسلة من الفعاليات التي تعنى بإعادة تصوير الحياة اليومية للأجيال الماضية، ووصف رحلة المسافرين إلى قصر الحصن، بالإضافة إلى برنامج "المجلس" الذي سيتعرف الزوّار من خلاله على تاريخ وآداب حضور المجلس والبروتوكولات التقليدية.

وتتخلل البرنامج العام كذلك سلسلة من الأنشطة المخصصة للأطفال بما فيها الألعاب والتعليم التقليدي، وكذلك الاحتفاء ببعض الشعائر والاحتفالات الدينية مثل العروض المباشرة وإطلاق المدفع خلال شهر رمضان الكريم.

فيما يشكل "المجمع الثقافي" أحد أولى إنجازات الدولة الفتية بوصفه أول مركز ثقافي في دولة الإمارات، ومحور الحياة الثقافية والاجتماعية في أبوظبي الحديثة.

وقد تأسس "المجمع الثقافي" على يد مؤسس الدولة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في عام 1981، وهو أول مركز ثقافي غير ربحي متعدد الأغراض يحمل رسالة قيّمة تهدف إلى تعزيز كافة أشكال النشاط الفكري والإبداعي وغرس قيم الهوية الوطنية في المواطنين ..

وبتأسيسه إلى جوار "قصر الحصن" التاريخي، شكلّ "المجمع الثقافي" رسالة واضحة حول رؤية الدولة لدور الثقافة في تاريخ الإمارات الحديث، والتي ترسخت عبر تقديمه أول مكتبة وطنية ومسرح وقاعة معارض متعددة الاستخدامات.

وسرعان ما اكتسب "المجمع الثقافي" شهرة واسعة كملتقى يرحب بكافة أفراد المجتمع، وصرحٍ لبناء الحوار وتبادل الآراء بين الفنانين والشعراء والمفكرين اذ يعد المجمع الثقافي منارةً بارزةً في المشهد الثقافي المحلي والعربي، حيث استضاف المعارض الأولى للعديد من الفنانين المحليين والإقليمين، ما جعله نافذة تتواصل من خلالها أبوظبي مع الأفكار والمجتمعات الأخرى من جميع بقاع الأرض.

وشهد "المجمع الثقافي"، خلال الفترة بين العامين 2009 – 2018 ، سلسلة واسعة من أعمال التجديد والصيانة والتأهيل وبعض التعديلات الوظيفية .. وفي ديسمبر 2018، ستتم إعادة افتتاح "المجمع الثقافي" على مراحل، حيث يبدأ مع مركز الفنون البصرية الجديد والذي يتضمن قاعتين للمعارض ومساحة عرض خارجية، بالإضافة لاستوديوهات للفنانين .. وسيشهد الافتتاح كذلك استضافة مركز الفنون البصرية لمعرض متميز سيرصد تاريخ "المجمع الثقافي" كمنصة جامعة للفنانين والمبدعين.

ويحفل البرنامج العام لـ "المجمع الثقافي"، بوصفه منارةً للثقافة الإماراتية المعاصرة، بالعديد من الفعاليات بما فيها المعارض وعروض الأداء والعروض السينمائية والحوارات وبرامج الإقامة الفنية، بالإضافة إلى برنامج تعليمي مناسب للأطفال والكبار والعائلات .. وتعزيزاً لدوره، سيقدم "المجمع الثقافي" برنامجاً شاملاً يقدم منحاً دراسيةً للمنتجين الثقافيين، بهدف دعم وترسيخ الأنشطة الفنية والثقافية في المشهد الثقافي بأبوظبي ..أما باقي أجزاء "المجمع الثقافي" والتي تضم مسرحاً يتسع لـ 900 مشاهد وأول مكتبة من نوعها التي ترحب بالأطفال والناشئة من كافة الأعمار فمن المقرر افتتاحهما خلال عام 2019.

ولطالما كان "المجلس" جزءاً لا يتجزأ من التقاليد الإماراتية في الحوار ورسم السياسات واتخاذ القرارات .. وفي عام 1968 أمر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، ببناء المجلس خارج جدران "قصر الحصن" لاستقبال الضيوف في مبنى عصري بمقربة من مقر أجداده.

ويقف "قصر الحصن" بكل شموخ كشاهد على لحظات لا تُنسى في تاريخ دولة الإمارات وشعبها، وتحديداً حينما تحوّل مبنى المجلس إلى "المجلس الاستشاري الوطني" ليكون منصة للمباحثات الهامة والقرارات المصيرية حول اتحاد دولة الإمارات.

وعقب الإعلان التاريخي عن إتمام الاتحاد وتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر 1971، احتضنت قاعة "المجلس الاستشاري الوطني" اجتماعات "المجلس الوطني الاتحادي" لدولة الإمارات.

ويأتي "بيت الحرفيين" مستكملاً تلك الحكاية مع رسالة قيّمة تهدف إلى زيادة الوعي حول التراث الوطني المادي والمعنوي وصونه.

ويشكل "بيت الحرفيين"، الذي يقع بجوار "قصر الحصن" و"المجمع الثقافي"، محوراً رئيسياً ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز الوعي حول التراث الإماراتي المعنوي وصونه .. وفي عام 2011، كانت منظمة اليونسكو قد أدرجت حرفة السدو /النسيج البدوي/ ضمن قائمة اليونسكو للصون العاجل للتراث غير المادي، وعليه، يضطلع بيت الحرفيين بدور ريادي في حماية ودعم هذا الموروث الإنساني والمهارات الحرفية القيّمة ودعم ممارسيها.

وانطلاقاً من فرعيه في منطقة "الحصن" بأبوظبي والعين، سيدعم "بيت الحرفيين" الجهود الرامية إلى صون الممارسات والحرف التقليدية في دولة الإمارات، بالإضافة لتمكين عمليات نشر المعرفة والمهارات الخاصة بهذه الحرف ونقلها بين الأجيال، بما يضمن استدامتها في المستقبل .. وإلى جانب دوره في إحياء الحرف التقليدية وتعزيز تواجدها بين الأنشطة الثقافية المعاصرة، سيقدم بيت الحرفيين حزمة من الدورات التدريبية وورش العمل التعليمية وغير ذلك من الفعاليات العامة.

من جانبها أشرفت دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، خلال الفترة الممتدة بين عامي /2007 - 2018/، على أعمال الترميم والتجديد الضخمة التي جرى تنفيذها في منطقة "الحصن" .. وقد حرص نهج الترميم المتبع في أعمال الحفظ والتجديد أثناء التنفيذ وبعده على الحفاظ على الخصوصية والقيم التراثية التي يتسم بها موقع "الحصن" ومكوناته الأساسية، أي "قصر الحصن" ومقر "المجلس الاستشاري الوطني" ومبنى "المجمع الثقافي" .. كما روعي في عمليات الإصلاح والترميم وإعادة التطوير التي شهدها موقع "الحصن" الإبقاء على العبق التاريخي الذي يتسلل من المباني المنفردة، كما وضعت تلك العمليات إطار عمل يمكن الاسترشاد به في المستقبل.

واقتضت خطة الترميم أن يتم استخدام المواد والأساليب التقليدية عند صون وحفظ المباني التاريخية، كما فرضت تنفيذ اللمسات الإضافية ضمن إطار معماري عصري تُستخدَم فيه المواد التقليدية ذاتها، مما يعكس التباين والاستمرارية معا.

وتشمل المواد المُستخدَمة في المشروع خشب أشجار القرم المتواجدة في المنطقة، والذي عُرف على مر التاريخ بقيمته كمصدر غني للوقود ومواد البناء .. فهذا الخشب المتين مثالي لبناء الهياكل بفضل خصائصه الطبيعية المقاوِمة للتسوس والنمل الأبيض.. وقد تم تحديد اتساع غرف "قصر الحصن" وفقًا للطول الذي يمكن أن تبلغه أشجار القرم؛ حيث تشكِّل كل عارضة خشبية من خشب القرم قطعة بناء منفصلة.

ومن المواد الأخرى التي استُخدمت بكثرة في بناء الجدران والهياكل، الشعاب المرجانية المجففة والأحجار البحرية. ولا يرجع السبب في ذلك إلى سهولة استخراج الشعاب من البحر هناك فحسب، وإنما يرجع إلى أن طبيعتها المسامية تمنحها خصائص مميزة لتلطيف هواء "قصر الحصن" أو تسخينه؛ إذ تتشبع بالدفء وتحتفظ به في أثناء النهار، ثم تبعث به في الليالي الباردة.

وأشرفت دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي على سلسلة أعمال الترميم والتجديد الضخمة التي شهدتها منطقة "الحصن"، ومن المقرر إعادة افتتاح "قصر الحصن" في ديسمبر القادم حيث سيتحوّل إلى وجهة ثقافية ترحب بالزوّار والمقيمين في الدولة على مدار العام ليستمتعوا ببرنامج حافل بالفعاليات والتجارب التعليمية الفريدة والغامرة، بما في ذلك الأنشطة الثقافية كعروض الأداء والمعارض وورش الحرف التقليدية وغير ذلك من منافذ الطعام والمشروبات.

وتم تصميم هذه المنطقة لإعادة تقديم "قصر الحصن" كمعلم مشرف على الساحل والصحراء، والاحتفاء بأوجه المدينة الحضرية التي برزت عليها الإمارة نتيجةً لمسيرة نموّها المتسارعة، بما يشكل احتفاليةً تليق بالتراث الوطني والهوية الإماراتية بين الماضي والحاضر.

وينقسم المخطط الرئيسي إلى منطقتين تتميّز كل منهما بهويتها المختلفة: ففي المنطقة الأولى يبرز التراث القديم من خلال "قصر الحصن"، حيث تم إعادة تصميم المشهد المحيط به لينسجم مع بيئته الأصلية، فيظهر الحصن كمبنى مفرد قائم على سهل رملي يطل على صحراء ساحلية طبيعية؛ بينما في المنطقة الأخرى، يظهر موقع تراثي حديث حول "المجمع الثقافي"، وهو عبارة عن مخطط شبكي للمدينة الحضرية الذي تتخلله إنشاءات وعجائب من صنع الإنسان وتعابير هندسية على شكل أسطح صلبة يُقام تحت سقفها العديد من المعارض والفعاليات.

وقد تم تصميم المساحة الواقعة بين "قصر الحصن" و"المجمع الثقافي" بطريقة تسعى لإيجاد حيّز تفاعليّ للأنشطة المجتمعية، حيث تعمل كجسر رابط بين التاريخ العريق والحاضر المعاصر .. وهذه المساحة التي يُشار إليها باسم الحديقة ستضم مساحات جيبية، وواجهات مائية، وغير ذلك من مرافق الطعام والمشروبات، بالإضافة للمُصلى.

ومن المحطات التاريخية لقصر الحصن : 1795 – تم بناء "الحصن" عام 1795 تقريباً، وهو يضم أعرق وأقدم بناء تاريخي قائم في أبوظبي ألا وهو برج المراقبة الذي تم بناؤه من الأحجار البحرية والمرجانية لتوفير الحماية للتجمّع السكاني على الجزيرة والذي تم توثيق نشأته لأول مرة خلال ستينيات القرن الثامن عشر.

1855 – في الأعوام التي تلت تولّي الشيخ زايد الأول الحكم عام 1855، اتخذت أسرة آل نهيان من الحصن مقراً لتشكيل نظام الحكم الذي ترسّخت أسسه بعد توحيد القبائل.

1939 - 1945 أنشأ الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان القصر الخارجي "القصر" حول جدران "الحصن"، حيث اتخذت منه الأسرة الحاكمة مقراً لها.

1968 – 1970 – أوعز المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، ببناء مجلس جديد ذو تصميم عصري خارج "قصر الحصن" لاستقبال الضيوف بالقرب من مقر أجداده .. وسرعان ما تحول مبنى المجلس إلى "المجلس الاستشاري الوطني" الذي شهد النقاشات الأولى حول توحيد ما عرف حينها بإمارات الساحل المتصالح ..وعقب تأسيس دولة الإمارات تحوّل هذا المبنى إلى مقر لاستضافة اجتماعات "المجلس الوطني الاتحادي".

1971 – تأسس "المجمع الثقافي" بموجب مرسوم أميري، وهو مؤسسة معنية بتعزيز الوعي الثقافي عند جميع المواطنين في دولة الإمارات الفتيّة.

1981 – افتتح "المجمع الثقافي" أبوابه أمام الزوّار في منطقة "الحصن" ليشكل أول مركز ثقافي متعدد التخصصات في دولة الإمارات، ويضم أول مكتبة وطنية ومسرحاً وقاعة للمعارض.

1984 – تم تجديد "قصر الحصن" وإعادة توظيفه كمقر لـ "المركز الوطني للتوثيق والأبحاث".

وام/خاتون النويس/مصطفى بدر الدين