مقايظ الإمارات .. ثقافة المكان وذاكرة الزمان من: شيخة الغاوي

مقايظ الإمارات .. ثقافة المكان وذاكرة الزمان   من: شيخة الغاوي
العين في 5 أغسطس /وام/ تعتبر رحلة المقيظ في الإمارات قديما موسم فرح وسرور سنوي يعيشه أهل الساحل الذين اعتادوا الانتقال صيفا من منازلهم إلى المقايظ تحت وطأة مناخ وطقس شديد الحرارة مشبع بنسبة مرتفعة من الرطوبة فمع بداية الصيف يستعد الرجال لموسم الغوص في حين تنتقل النساء والأطفال للمقيظ سعيا وراء الأماكن الباردة التي يتوفر فيها الماء والظلال الوارفة وثمار الفاكهة والخضار الطازجة .

ومن أشهر مقايظ الإمارات قديما مدينة العين .. ويتذكر المواطن خميس بن زهير الكعبي من أهالي العين البالغ من العمر سبعين عاما أيام القيظ في العين مؤكدا أنه أمام حرارة الصيف ورطوبة المساء التي لا تطاق في مدن الساحل كانت العوائل بكامل أفرادها ومستلزماتها تشد الرحال إلى واحات العين الغناء ذات الافلاج الجارية ومياه العيون المتدفقة مما خلق نوع من الهجرة والانتقال الموسمي بين المناطق المختلفة داخل الإمارات وفي بعض الأحيان يتعدى أرض الإمارات فيصل إلى دول الجوار .

ويضيف واصفا موسم الصيف في العين /كانت الخضرة تعـانق الجبل والصحراء ونستمتع بسماع اللحن الجميل الصادر عن خرير المياه العذبة وهي تنساب في الافلاج طوال العـام أما صيف العين كانت له نكهة خاصة نستبشر فيه ببشارة حبات رطب النغال ونتوق لمذاق باقي فاكهة الصيف ونفرح مع قدوم الحضار /أهل الساحل/ في قوافل جماعية من كل حدب وصوب يتوافدون في مهرجان سنوي اعتدنا عليه ويسرنا قدومهم فتجمعنا بهم ليالي العين نتسامر وسط أشجار النخيل وتحت النجوم والقمر فيتحول حر الصيف إلى متعة ننتظرها كل عام/ .

ويقول كانت العين من أروع المقايظ بالدولة على الرغم من بساطتها وبساطة بيوتها التقليدية المبنية من الطين وسعف وجذوع النخيل إلا أنها كانت باردة صيفا ودافئة شتاء بينما تزيد أفلاح العين /الصاروج/ الداوودي والجيمي والقطارة والمعترض وهيلي من برودتها صيفا والتي كانت تتدفق بها المياه العذبة قوية على مدار العام حتى أن مستوى الماء في فلج العين كان يزيد على ثلاثة أمتار .. مشيرا إلى أن ماء فلج الداوودي كان مرغوبا من قبل الأهالي أكثر من الافلاج الأخرى لأن ماءه عذب وأحلى من ماء فلج الصاروج .

ويتابع الأفلاج /كانت شريان يمتد من قلب الأرض إلى قلب الإنسان والكائنات شكلت حياتنا وعندما كنا صغارا استمتعنا بالمقيظ قربها فكانت المياه فرحتنا وبهجتنا تلطف عنا حر الصيف الذي يستمر شهورا فالفلج ينبوع رزقنا فإن نقص حزنا وإن زاد ماؤه فرحنا/ .

ولفت إلى أن المياه كانت تزيد عن حاجة الأهالي رغم أن العين كانت في ذلك الوقت واحة زراعية بها كل ما تشتهي وتتمنى النفس من أشجار الفاكهة والخضروات والبر /القمح/ أما أشجار النخيل فكانت من كل صنف ونوع عبارة عن غابة متشابكة تكسو المكان باللون الأخضر طول العام ولا تخلو من ألوان الرطب الأخرى في موسم المقيظ فتتشكل صورة طبيعية غاية في الجمال تسر الناظرين وتكفي احتياجات الأهالي والحضار من الرطب صيفا ومن التمر شتاء .. مشيرا إلى أن نخيل العين كانت من أفضل الأنواع الموجودة حتى أن بعض النخيل كان يثمر سنويا حوالي 40 عذقا .

وذكر الكعبي أن مجيء أهل الساحل للعين من أجل المقيظ كان يعتبر هجرة اختيارية لكنها أقرب إلى القسرية تحت وطأة المناخ والطبيعة في تلك المناطق .. منوها إلى أن لهذه الهجرة جوانب عدة منها اقتصادي واجتماعي فساعدت على تقوية التكامل الاقتصادي بين المناطق الجاذبة والطاردة للأهالي أما على المستوى الاجتماعي شجعت هذه الهجرة على زيادة الوعي الاجتماعي والتعاضد بين الأهالي بغض النظر عن أماكن سكناهم وزاد التواصل بين فئات المجتمع في المناطق التي كانت تشهد هذه الهجرة والانتقالات .

وأضاف عندما تبدأ رحلة الغوص على السواحل يرسل أهل الغوص في أبو ظبي ودبي أهلهم للمقيظ في واحات العين في مناطق القطارة والهيلي والمعترض والبعض يقيظ في البريمي ويقضون موسم المقيظ كاملا في العين نظرا لتوفر الماء والثمار والظلال ولا يعودون إلى الساحل إلا قبل نهاية موسم الغوص بفترة قصيرة حتى يكونوا بانتظار القفال /نهاية رحلة الغوص وعودة الغاصة لديارهم/ .

وأشار إلى أن أهل العين كانوا يبنون بيوت العريش الدائمة على أطراف واحات النخيل في مناطق الجيمي والقطارة وتسمى المناطق التي تبنى فيها بيوت العريش الدائم بالطلاع وفي فترة القيظ ينتقل أهالي العين من هذه العرشان إلى واحات النخيل ليكونوا بالقرب من مياه الافلاج المتدفقة بالشريعة /قناة سطحية من الفلج/ لا يبتعدون عنها لأنها تمثل لهم شريان الحياة الذي لا ينضب ورمز الزراعة والخضرة الدائم تروي عطش الأرض والأهالي في صيف لافح الحرارة.

ويتذكر المرويات /نساء يقمن بإحضار الماء من شريعة الفلح/ عندما يملئن اليحلة والحب بالماء من الشريعة لاستخدامه في طهي الطعام.

وقال عن بعض مشاهد المقيظ التي ما زالت حاضرة في ذاكرته /كنا نبني بيوت العريش بجوار الشريعة ونستحم بمائها يوميا لنطفئ لهيب الحر من على أجسادنا ونقوم برش أرض العريش بالماء من أجل تلطيف حرارة الأرض الحارة ونضع عليها الحصير أو السمة /الحصير/ لنجلس عليها ونشعر بالبرودة/ .

وأشار إلى أن الأهالي ينتقلون خلال موسم المقيظ تحت ظلال النخيل ليستمتعوا بظلالها وليفسحوا المجال أمام الحضار للإقامة في عرشانهم بعد تأجيرها لهم فترة المقيظ البالغة حوالي ثلاثة شهور من أجل الاستفادة ماديا فتنشأ بينهم علاقات اجتماعية وتجارية ويتبادلون معهم المواد الغذائية فيحضرون لهم الرطب ويأخذون منهم الملابس والعيش /الأرز/ .

ونوه لى أن واحة العين تعيش خلال موسم القيظ منظومة اقتصادية متكاملة جل عناصرها الطبيعة والإنسان فالأهالي يزداد عملهم ويزدحم الموسم الزراعي بعدد من الأعمال فيقوم الأهالي بجمع الليمون والسفرجل والهمبا واللوز والترني إضافة إلى أن موسم حصاد التمور في العين كان يعد موسم فرح وسرور حيث تجود أشجار النخيل خلال هذا الموسم بشتى أصناف الرطب والتمر ويشارك جميع أفراد الأسرة في هذا الموسم الاقتصادي والاجتماعي .. لافتا إلى أن فترة القيظ تعتبر فترة إعمار للنخلة .

يتبع /شي /مد 27 10