العين : مهد الحضارة ومصيف ينبض بالحيوية ومدينة عصرية

من شيخة الغاوي..
العين في 17 سبتمبر /وام/ تعتبر منطقة "العين" بما تضمه من واحات مفردات جمالية ومعمارية لا يدرك جمالها ولا يعرف قدرها إلا من اضطر إلى ركوب الرمال المتحركة وسط الصحراء التي لا يوجد فيها الزرع والماء وتكثر فيها الرياح والعواصف التي تتحدى وجه الإنسان بذرات الرمل الناعمة وتعيق حتى المطية /الجمل/ عن استكمال وجهتها والتوقف وهذا يجبر المسافر على الالتفاف إلى ما لديه من ماء حرصا على حمل أكبر كمية يستطيع حملها للوصول إلى مكانه المقصود لضمان حياته في هذه البادية وحياة حيوانه .
ولا تتفق المصادر والوثائق والأدلة التاريخية على تاريخ نشأة الواحات في منطقة "العين" أو كيفية تطورها ومتى بدأ استيطانها وبالتالي من الصعب تحديد واحة بعينها للقول إنها أول الواحات بل هي نتاج تحولات مناخية وتغيرات بيئية وتشكيلات طبيعية لكن ليس هناك ما يجعلنا نستبعد فرضية أن واحات مدينة "العين" وبخاصة واحة الهيلي ظلت مأهولة بالسكان منذ خمسة آلاف عام .فالمؤكد أن هذه المنطقة كانت مهدا لحضارة مجيدة والمعروف أن الحضارات لا تنشأ إلا في الأماكن التي تتوفر فيها مقومات الاستيطان والتي يأتي على رأسها توفر المياه .
وبشكل عام تشير الشواهد التاريخية إلى أن كل أو معظم واحات "العين" ظلت مأهولة بالسكان منذ نحو ثلاثة آلاف عام وبالرغم من أنه ليست هناك أرقام محددة عن عدد السكان فإن المقابر الموجودة والمباني الأثرية تدل على نوع من التمركز السكاني والحياة المزدهرة .
..واحات بعبق التاريخ ومصيف بطعم التمر وطيب المناخ..
وواحات "العين" جنان بعبق التاريخ حباها الله بالماء منذ القدم وهو "شريان الحياة" فالمقيم يطيب له المقام والمسافر يستعيد نشاطه ويتجدد أمله ويسترد قواه وتنسيه كل ما تعرض له من مصاعب ومشقات وما أبداه من عجز وضعف تجاه القوى الخفية القادرة المهيمنة على الصحراء .
ويشعر في واحات "العين" المقيم والمسافر منذ القدم بطيب الهواء ويتذوق عذب الماء ويستظل بالأشجار وتنمو وتخضر الأعشاب بفضل "شريان الحياة" وعند وصول الإنسان إلى واحة "العين" فلا بد إن يستولي عليه شعور من حيث لا يشعر بعظمة سحر هذا المكان وسط صحراء شاسعة تلفها من ثلاث جهات والرابعة جبال عالية يستعصي عبورها .
وفي هذا الإطار يقول المواطن عبدالله مطر عبدالله الدرمكي /من سكان مدينة العين/: مناخ واحة العين الداخلي عموما جاف خال من الرطوبة والتي تكون نسبتها عالية على السواحل ولهذا يتذمر سكان السواحل من أثر الحر المشبع بالرطوبة مع إن الحرارة ذاتها لا تكون عالية كثيرا وإنما مبعث هذا التضايق هو من الرطوبة المصحوبة بالحرارة لذا صارت سواحل الدولة في وقت الصيف من الأماكن الطاردة مناخا خاصة قديما قبل ظهور صناعات التبريد وأثر هذا الجو الرطب الحار في حالة الأهالي سواء في صحتهم أو في نشاطهم .
ويؤكد الدرمكي ان الداخل وتحديدا في واحات "العين" وان ارتفعت فيها الحرارة تكون جافة ولهذا فإنها لا تكون حادة على نحو حر السواحل بل يصبح الجو لطيفا خاصة في الليل يكون ليلها رحمة للناس ينسيهم قسوة النهار وشدة حرارته وفقر الحياة لا سيما إذا اكتمل القمر وصار بدرا يسحر الناظرين تحته فإن سحره يكون عاما يشمل الغني والفقير ويبعث في النفوس الراحة والأمان ويثير فيها عواطف الشجن المنبعثة من قسوة الحياة وشحها وفقر الأرض .
ويضيف: يعد سكان واحات "العين" سعداء حقا بالقياس إلى سكان الإمارات لأن الغيوم المثقلة بالأبخرة تصطدم بمرتفعات جبل حفيت فتضطر إلى تفريغ شحنتها عليه وهذا مصدر من مصادر توافر المياه بها فاستغلها السكان منذ القدم وزرعوا عليها وصارت الأودية من مواطن الحضارة القديمة التي تعود إلى ما قبل الإسلام بزمان طويل كما صارت سفوح الجبال والمرتفعات موارد رزق للزراع يستهلكون من الحاصل ما يحتاجون إليه ويصدرون الباقي لمن يحتاج إليه من أهل بقية جزيرة العرب .
ويوضح ان واحات "العين" تشكلت عن طريق نقل المياه من العيون عبر قنوات الأفلاج وهي طريقة ذكية لاستخدام المياه الجوفية إذ يتم تجميع المياه تحت السفوح ومن هناك تبدأ القنوات بتجميع المياه وتقسيمها على الواحات .
ويستدرك: ما زال أهل الواحات يزرعون على سنة آبائهم وأجدادهم الأقدمين ويشاهد السياح آثار سدود في هذه المناطق شيدها الأقدمون للتحكم في الأمطار التي تسقط بغزارة وتجري سيولا وقد وجد في المكان كتابات دونها أصحابها حسب معتقداتهم شكرا على نعمة الغلة الوافرة والحصاد الغزير أو للإنعام عليهم بأرض خصبة أو لحفر بئر زودتهم بماء للسقي وللزرع ووجود هذه الكتابات دليل ناطق على وجود الحضارة فيها في تلك الأيام .
..الواحات مركز زراعي ومقصد تجاري منذ القدم..
ويقول عبدالله الدرمكي: مع مرور الوقت أضحت واحات "العين" وما بها من العيون والآبار مستوطنات لتموين المستقر والقادم بالماء والتمر وبشيء من الحبوب والخضر وصار فرضا على رجال القوافل وأصحاب التجارة المرور بها لأن الماء وسط الصحراء هو الذي رسم لأصحاب القوافل خطوط سيرهم إلى المواضع التي يريدون الوصول إليها وحدد لهم معالم الطرق وأماكن الراحة .
ويضيف: منذ القدم وواحات مدينة العين تعد أهم مصيف فاتن ينبض بالحيوية في المنطقة فأصبحت متنزها وبستانا لأهل الإمارات خصوصا في فترة الصيف بسبب جوها الجميل وطبيعتها الخلابة .
ويؤكد انه قبل ظهور النفط كانت "العين" مصدر غذاء أساسي لسكان الإمارات فلا تكتمل مائدة سمك الساحل إلا بخضار وتمور العين .
وينوه: كانت أيضا مصيف الإمارات وسوق عمل وغطاء نباتي وسط الصحاري ومصدر غذاء لعدد كبير من أبناء القبائل الذين كانوا يفدون إليها في موسم جني التمور.. إنها البقعة الأكثر اخضرارا في الإمارات قبل أن تبدأ عملية التشجير المستمرة منذ تدفقت عائدات البترول إلى يومنا هذا .
ويصف الدرمكي "العين": بلدة مياه جارية وأشجار نخيل باسقة وخضر وفواكه في وقت كانت فيه المياه والخضرة في محيطها الصحراوي الممتد إلى "الربع الخالي" أندر من الذهب الأصفر في ذلك الوقت .
ويتذكر زمن كان الأهالي قديما يعيشون فيه على التمر واللبن والأمور التي توفرها الطبيعة من أنواع الزرع والحيوان وكانت المزروعات عبارة عن نخيل والأشياء التي تنبتها الأرض مثل القمح والشعير وكانت مزارع النخيل في القطارة والجيمي تعود إلى عدد من الأفراد والأسر والتي توارثوها من أسلافهم وكانت هناك مزارع للشيوخ وتضم هذه المزارع أعدادا لا بأس بها من أشجار النخيل .
ويضيف: كانت العين من جنان الله "سبحانه وتعالى" في أرضه وكانت تتكون من العديد من القرى المزروعة بالنخيل وأشجار الفاكهة مثل الهمبا "المانجو" واللومي "الليمون" والخضرة "الخضروات" وكان في العين افلاج مشهورة مثل فلج الداوودي والعيني والجيمي .
ويعرج الدرمكي على زمن كان أهل الإمارات وخصوصا أبوظبي يحضرون إلى العين ويستأجرون لهم نخيلا وكان أصحاب النخيل في العين يسمون "الهمجرية" أي أصحاب المال والتجار يبنون البيوت للمستأجرين ويؤجرونهم مساحات محددة فيها نخل مثمرة مقابل 15-35 روبية نظير إقامة لمدة 4-5 أشهر وبعد انتهاء المدة وعودة أهل المدن الساحلية لمدنهم تعود البيوت والنخل لأصحابها .
..مدينة العين.. مصيف جذب السكان المحليين والرحالة الأجانب..
وعرفت مدينة العين على مر العصور بأنها مهد الحضارة ومدينة الأصالة والعراقة والتاريخ وتميزت كواحات مزدهرة تجذب إليها الأهالي والرحالة والتجار والمسافرين للاستراحة وهو ما أكدته التنقيبات والمكتشفات الأثرية التي تم اكتشافها ودلت على أن "العين" منطقة تنبض بالحياة منذ أكثر من 5000 عام .
وتشير المراجع التاريخية وكتب الرحالة أن واحات "العين" كانت مصيفا لأهل الإمارات ومقصدا للقوافل التجارية فالجميع يفد إلى هذه الجنة الخضراء ليتزود منها بما يحتاجه من ماء أولا ثم الرطب وغيره من المنتجات .
وحظيت واحات "العين" بشهرة واسعة منذ اكثر من مائتي عام لذا زارها العديد من الرحالة الأجانب الذين كتبوا عنها وشدهم إليها صيتها وذكرها الدائم في الكتب كجنان بعبق التاريخ ومصيف آل نهيان وواحات وارفة الظلال وسط صحراء قاحلة جرداء وتأخذ هيبتها كونها تعتبر امتدادا جغرافيا طبيعيا لصحراء الربع الخالي الأسطورية المهيبة والتي كانت مغامرة عبورها تجتذب الكثير من الرحالة المغامرين بينما البعض الاخر سنحت لهم فرصة زيارتها وعبورها بسبب عملهم والمهام الرسمية المكلفين بها من قبل حكوماتهم احيانا وفضولهم الذاتي وشغفهم الشخصي وحب المغامرة أحيانا أخرى .
ومن الرحالة الذين كتبوا عن مدينة "العين" كمصيف مفعم بالنسيم العليل وذكريات معطرة بعبق الظلال الوارفة: .. هامرتون..
وكان قد وصل الواحة الكابتن الرحالة "اتكينز هامرتون" الذي زارها عام 1840 وقد سافر لمدة أربعة أيام للوصول إلى الواحة قادما من الشارقة وهاله منظر القلعة العظيمة على حد تعبيره التي تطل على الواحة وهي مزودة بمدافع مجهولة الأصل والمنشأ "حسب وصفه".. ذخيرتها ليست دانات متفجرة وإنما كرات من الحجر الصلب أو الحديد وقد أذهله انتشار الخضرة وحدائق البرتقال والتين والزيتون والرمان وأشجار النخيل الباسقة وحقول القمح الممتدة حتى الأفق .
وكل هذا ترويه قنوات مغطاة تحت الأرض تتخللها بين مسافة وأخرى فتحات للتهوية ومن أجل السماح للعمال بالنزول لإصلاح أي خلل وبعض هذه القنوات طويل جدا قد يمتد على حد قول "هامرتون" لمسيرة 14 ساعة من الواحة وينسب أهل الواحة كما دون "هامرتون" هذه القنوات إلى عهد الملك سليمان .
..مايلز..
قام العقيد "اس بي مايلز" المعتمد السياسي البريطاني في مسقط في شهر نوفمبر من عام 1875 بزيارة لواحة العين وذكرها "جي. بي كيلي" في كتابه: "الحدود الشرقية لشبه الجزيرة العربية" حيث قصدها عن طريق ساحل الباطنة ووادي الجزي وكتب عن مشاهداته في الواحة .
..كوكس..
كما سافر النقيب "بي. كوكس" الذي أصبح فيما بعد السير "برسي كوكس" إلى العين والظاهرة من الساحل المتصالح في عام 1902 عندما كان معتمدا سياسيا في مسقط .
وذكر كوكس في يوميات رحلته تلك :..ودخلنا الواحة في هذه الرحلة من الشمال الغربي، عن طريق القرية الحديثة التي أقامها بنو ياس والمسماة بالمسعودي. .. ونصبنا خيامنا في قرية الجيمي، لأن هذه القرية أقرب من غيرها إلى قلب الواحة، ومناسبة كنقطة للتجول في ربوعها. وعندما يتحدث المرء عن الواحة، فإنه لا يعني القرية التي تحمل هذا الاسم، وإنما يعني الواحة كلها والتي تضم عشر قرى منفصلة، تقع في خط دائري تقريبا بحيث يبلغ قطر الدائرة نحوا من ستة أميال.
تاريخ ضارب في القدم..
ان صفحات التاريخ توثيق وبرهان لما تتمتع به "العين" من جو لطيف وملجأ لسكان الإمارات كما انها تضم احد هذه الشواهد المعمارية الراسخة قلعة "المريجب" الشهيرة التي تعد واحدة من أقدم القلاع الست في مدينة العين .
ويتفق الباحثون على أن الشيخ شخبوط بن ذياب آل نهيان شيدها في بدايات القرن 19 لتكون حصنا للدفاع عن المنطقة ولتكون مكانا لإقامته واستضافة من يفد إليه وحماية موارد المياه المحلية .
وفي عهد حكم الشيخ زايد الأول شرع في بناء قلعة الجاهلي في العام 1891 وانتهى بناؤها في العام 1898 وشكلت القلعة مكانا مناسبا للاستخدام كمأوى في فصل الصيف ..وأيضا كمأوى لسكان واحة العين في بعض الحالات الطارئة .
وتذكر مصادر تاريخية أخرى إن الشيخ سلطان بن زايد حكم البلاد خمس سنين ما بين 1922 - 1926 وقد ابتنى الشيخ سلطان له قصرا شرقي العين بعد وفاة والده زايد الكبير ومازال هذا القصر قائما حتى الآن وقد سجل على بابه تاريخ البناء وهو 3 شعبان عام 1328 أي منتصف عام 1910 وقد أبدى الشيخ سلطان اهتماما واسعا بأمور الزراعة والري وأمر بحفر فلج المويجعي واستغرق ذلك عامين كاملين مما أدى إلى ازدهار قرية المويجعي .
وفي الجهة الغربية من الواحة يوجد قصر العين الذي يعود بناؤه إلى عام 1937 وكان محل إقامة المؤسس الراحل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه" في العين بين عامي 1937 و1966 وتم افتتاحه كمتحف عام 2001 .
ويعتبر قصر المويجعي التاريخي رمزا يبرز بجلاء العلاقة التي تربط آل نهيان بمدينة العين وواحاتها وظلالها وتاريخها التليد .
..مدينة تنبض بالحيوية يلفها سحر الورود والازهار..
لقد حبا الله واحة العين باعتدال المناخ وطيب الهواء والطبيعة الخلابة وبمخزون مائي كبير وتربة جيدة وطقس جميل مما ادى الى ان تتمتع ومنذ قديم الزمان بشهرة واسعة لخصوبتها ومازالت مدينة العين تعتبر من المراكز الزراعية الأساسية في منطقة أبوظبي على الصعيدين النباتي والحيواني .
وتمنح "العين" تلك المدينة الواقعة على مشارف جبل حفيت زوارها وقاطنيها على حد سواء ملجأ من حرارة الصحراء وكثيرا من البهجة وجمالا طبيعيا لا مثيل له تتلألأ هذه المدينة التليدة كالجوهرة تحت هواء الجبل النقي وقد كانت دوما مصيف الأهالي ومقر آل نهيان ومستقر ضيوفهم وينجذب الزوار مباشرة عند مرورهم خلال شوارعها الرئيسية لجمالها الذي يمزج بين عبق الماضي ونبض الحاضر فتلك القصور والحصون والقلاع بنوافذها واقواسها والتي تأخذك الى زمن آخر تقف بشموخ بالقرب من مباني المكاتب الحديثة التي تضم الوزارات والمؤسسات الحكومية وادارات الشركات .
وتغطي واحات النخيل المحملة بعذوق الرطب مساحات واسعة ليتم تجفيفه بعد ذلك ليصبح تمرا وتغطي ضواحي مدينة العين من حافة الصحراء المزارع الخضراء وتعرف مدينة العين ايضا بوردها وازهارها وتلون المدينة والتلال المحيطة خلال فصل الربيع مجموعة جميلة من الاعشاب والحشائش ذات الألوان الخضراء .
وعبر سنوات التاريخ كانت العين مهد الحضارة وتزعمت القيادة في بعض الفترات وأصبحت عاصمة داخلية ومصيفا فاتنا ينبض بالحيوية واليوم غدت مدينة يلفها سحر الورود والازهار وتعددت القاب مدينة العين بداية من المصيف الاول الذي قصده العامة والخاصة وصناع القرار والتجار?والرحالة ومرورابالعين "دار الزين" ووصولا الى مدينة الخضرة والنماء وقد توجت هذه المدينة القابها بتحقيق انجاز اضيف الى سجلاتها حيث ادرجت كأول موقع إماراتي على قائمة التراث العالمي للبشرية .
ومدينة العين اليوم من كبرى المدن التابعة لإمارة أبوظبي تقع على المنحدرات الغربية لجبل حفيت والذي يبلغ ارتفاعه 1000 متر فوق سطح البحر ويربطها بمدينة ابوظبي العاصمة طريق حديث وسريع يبلغ طوله حوالي 120 كيلومتر ا . وام/شي
وام/شهـد/سلا/زمن